
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي
تاريخ بلاد البنغال تاريخ زاخر بالتنوع والتعدد، وثراء تراثها الثقافي والديني يعكس عمق التفاعل الحضاري الذي شهدته هذه البلاد عبر القرون. فقد تعاقبت على أرض البنغال شعوب مختلفة، وتلاقحت فيها لغات متعددة، وتداخلت حضارات شتى حتى تشكل المجتمع البنغالي في صورة فريدة متميزة. وفي خضم هذا المسار التاريخي الطويل، برزت اللغة العربية بوصفها أحد أبرز المكونات الحضارية التي أسهمت في صياغة الهوية الدينية والثقافية لشعب البنغال. ولم تدخل اللغة العربية إلى هذه البلاد بوصفها لغة وافدة فحسب، بل جاءت حاملة رسالة روحية وثقافة عميقة، فارتبطت بالعقيدة، وتوغلت في الحياة الروحية، وامتد أثرها إلى مجالات التعليم والأدب والثقافة لتغدو جزءا أصيلا من نسيج المجتمع البنغالي.
وقد ارتبط دخول اللغة العربية إلى البنغال ارتباطا وثيقا بدخول الإسلام إلى هذه المنطقة. ففي القرنين السابع والثامن الميلاديين، شق التجار العرب طريقهم عبر أمواج المحيط الهندي حتى بلغوا سواحل خليج البنغال حاملين معهم بضائع التجارة ورسالة الإسلام معا. وقد أقام هؤلاء التجار علاقات تجارية واجتماعية مع سكان المناطق الساحلية، ولا سيما في شيتاغونغ وسانديب ونواخالي وغيرها من الموانئ البحرية. ومن خلال هذه الصلات، بدأت ملامح الثقافة العربية والإسلامية تتسرب إلى المجتمع البنغالي، وراحت اللغة العربية تطرق آذان الناس لأول مرة، فتتسلل شيئا فشيئا إلى حياتهم اليومية.
ولم يقتصر حضور العرب على النشاط التجاري، بل كانوا سفراء عقيدة وقيم روحية سامية. فقد عكست عباداتهم وسلوكياتهم الأخلاقية جمال الإسلام، وأدت الممارسات الدينية كالصلاة وتلاوة القرآن الكريم وذكر الله إلى تعريف السكان المحليين باللغة العربية. وهكذا بدأت اللغة العربية تجد لنفسها موطئ قدم في الحياة الدينية للمجتمع البنغالي لتغدو مع مرور الزمن جزءا من الممارسات اليومية للمسلمين في هذه البلاد.
ثم جاء دور المتصوفة والدعاة، فكان لهم أثر بالغ في ترسيخ حضور اللغة العربية في أرض البنغال. فقد قدم الشيخ شاه جلال رحمه الله إلى سلهت حاملا مشعل الدعوة إلى الإسلام، ومعه عدد كبير من الدعاة الذين أسهموا في نشر التعليم الديني. كما انتشر نور الإسلام على يد الشيخ شاه مخدوم رحمه الله في راجشاهي، والشيخ خان جهان علي رحمه الله في مناطق خولنا وباغرهات. وقد أنشأ هؤلاء الدعاة المساجد والخانقاهات ومجالس التعليم، فصار تعليم القرآن الكريم والحديث الشريف باللغة العربية أساسا لنشر الإسلام، وبذلك ترسخت اللغة العربية في الوجدان الديني للمجتمع البنغالي.
ومع انتشار المساجد والكتاتيب أخذت اللغة العربية تتغلغل في القرى والأرياف حيث اعتاد الأطفال على تعلم الحروف العربية من خلال قراءة القرآن الكريم. كما أسهمت المجالس الدينية والمناسبات الإسلامية في تعريف عامة الناس بالمفردات العربية حتى أصبحت هذه اللغة جزءا من الثقافة الدينية المتوارثة عبر الأجيال. وهكذا لم تعد العربية لغة بعيدة عن حياة الناس، بل غدت حاضرة في عباداتهم ومشاعرهم الروحية.
ومع قيام الحكم الإسلامي في البنغال ازدادت مكانة اللغة العربية رسوخا وازدهارا. فقد اهتم السلاطين المسلمون بنشر التعليم الديني، فأنشأوا المدارس والمعاهد العلمية. ورغم اعتماد اللغة الفارسية لغة للإدارة، فإن اللغة العربية ظلت لغة العلوم الإسلامية ومصدر المعرفة الدينية. فكانت كتب التفسير والحديث والفقه تدرس بالعربية، وأصبح العلماء وطلبة العلم ينهلون من معينها الثر مما عزز مكانتها العلمية والثقافية في المجتمع البنغالي.
وفي العصر المغولي استمر هذا الازدهار حيث توسعت المدارس والمؤسسات العلمية، وازداد اهتمام العلماء باللغة العربية تأليفا وتدريسا. وظهرت طبقة من العلماء الذين كتبوا بالعربية وأسهموا في نشر المعارف الإسلامية، فغدت اللغة العربية لغة علم وفكر إلى جانب كونها لغة دين وعبادة.
كما تركت اللغة العربية أثرا عميقا في اللغة البنغالية وآدابها، إذ دخلت آلاف المفردات العربية في صميم اللغة البنغالية مثل الإيمان، والعمل، والدنيا، والآخرة، والدعاء، والسلام، والكتاب، والعدالة، والحق، والحلال، والحرام وغيرها من الكلمات التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية. ولم يكن هذا التأثير لغويا فحسب، بل كان ثقافيا وروحيا يعكس عمق الحضور العربي الإسلامي في المجتمع البنغالي.
وفي الأدب البنغالي الوسيط تجلى هذا التأثير بوضوح حيث أبدع الشعراء المسلمون قصائد دينية غنية بالمفردات العربية، وانتشرت أشعار الحمد النبوي والمدائح النبوية والقصائد الروحية، فأسهمت هذه الأعمال في ترسيخ الثقافة العربية الإسلامية في نفوس الناس، وتعزيز ارتباطهم باللغة العربية.
ومع استمرار التعليم الديني في المدارس والمعاهد الإسلامية، ظلت اللغة العربية تحتفظ بمكانتها الرفيعة. فقد أصبحت المدارس الدينية، قديما وحديثا، مراكز رئيسة لتعليم العربية حيث يتلقى الطلاب علوم القرآن والحديث والتفسير والفقه مما أسهم في تخريج أجيال متعاقبة من العلماء والمتخصصين في اللغة العربية.
وفي العصر الحديث، ومع استقلال بنغلاديش اكتسبت اللغة العربية أفقا جديدا حيث أنشئت أقسام اللغة العربية في الجامعات، وازدهرت الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية. كما زادت أهمية اللغة العربية مع توسع العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية، فأصبحت العربية لغة للفرص الاقتصادية والتواصل الدولي.
وهكذا، فإن مسيرة اللغة العربية في أرض البنغال مسيرة حضارية ممتدة عبر القرون بدأت مع التجار العرب، وازدهرت مع الدعاة والمتصوفة، وترسخت في ظل الحكم الإسلامي، ثم استمرت في التعليم والثقافة حتى يومنا هذا. وقد أصبحت اللغة العربية جزءا أصيلا من الهوية الدينية والثقافية لشعب البنغال شاهدة على عمق الصلة بين هذه البلاد والعالم العربي والإسلامي، ومؤكدة أن حضورها في أرض البنغال لم يكن عابرا، بل كان حضورا راسخا ممتدا في التاريخ، وممتدا كذلك نحو المستقبل.
وقد أسهم تنامي العلاقات الاقتصادية بين بنغلاديش ودول الشرق الأوسط في تعزيز الأهمية العملية للغة العربية وتعميق حضورها في الحياة المعاصرة للمجتمع البنغلاديشي. فقد اتجهت أعداد كبيرة من أبناء بنغلاديش إلى البلدان العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، وغيرها من الدول بحثا عن فرص العمل وتحسين سبل العيش. وفي خضم هذه الهجرة الواسعة، برزت اللغة العربية بوصفها جسرا للتواصل، ومفتاحا للاندماج في بيئات العمل المختلفة، ووسيلة لا غنى عنها لفهم الثقافة المحلية والتفاعل مع المجتمع العربي. ومن هنا أخذ الاهتمام بتعلم اللغة العربية يتسع في الأوساط الشعبية، وتزايد الإقبال عليها بوصفها لغة تفتح آفاقا اقتصادية واعدة، وتعزز فرص العمل، وتمنح أصحابها قدرة أكبر على التواصل والانخراط في مجالات مهنية متعددة. وهكذا، لم تعد العربية لغة دينية فحسب، بل أضحت كذلك لغة للحياة العملية، وحاملة لآمال اقتصادية وطموحات مستقبلية.
وفي السياق ذاته، تحتل اللغة العربية مكانة سامية في الحياة الدينية للمجتمع البنغلاديشي، إذ ترتبط ارتباطا وثيقا بعقيدة المسلمين وممارساتهم اليومية. فالصلاة تؤدى بالعربية، والقرآن الكريم يتلى بلسانها، والأدعية والأذكار تتردد بألفاظها المباركة، وخطب الجمعة تلقى بمفرداتها العريقة مما يجعل العربية حاضرة في وجدان المسلمين حضورا دائما ومتجددا. ويبلغ هذا الحضور ذروته في شهر رمضان المبارك حين تتردد آيات القرآن الكريم في صلاة التراويح، فتفيض المساجد بأصداء العربية، وتزداد صلة الناس بها عمقا ومحبة. كما تتجلى مكانة العربية في مناسبات دينية كبرى كعيدي الفطر والأضحى، وفي مواسم الحج والعمرة حيث تتوحد ألسنة المسلمين حول لغة واحدة، وتلتقي مشاعرهم في إطار روحي جامع، يعكس وحدة الأمة الإسلامية وتلاحمها. وهكذا، أصبحت اللغة العربية جزءا أصيلا من الحياة الروحية، ومكونا أساسيا من الهوية الدينية للمجتمع البنغلاديشي.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في عصر العولمة تتزايد أهمية اللغة العربية بوصفها إحدى اللغات المؤثرة في مجالات العلاقات الدولية، والبحث العلمي، والتواصل الدبلوماسي، والتعاون الاقتصادي. فقد غدت العربية اليوم لغة ذات حضور عالمي تتسع مجالات استخدامها، وتتنوع ميادين الإفادة منها، لا سيما مع تنامي الدور الاقتصادي والسياسي للدول العربية في الساحة الدولية. وفي هذا الإطار، يبرز تطوير تعليم اللغة العربية في بنغلاديش بوصفه ضرورة ثقافية وعلمية واستراتيجية من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة أمام الأجيال القادمة، وتمكنهم من الانخراط في مجالات دولية متعددة، وتعزز حضورهم في ميادين المعرفة والتعاون الدولي.
وهكذا، فإن مسيرة اللغة العربية في أرض البنغال التي بدأت منذ قرون بعيدة، لا تزال متواصلة في حاضر البلاد محافظة على حضورها في مختلف جوانب الحياة الدينية والثقافية والتعليمية. فقد أصبحت العربية جزءا من الذاكرة التاريخية للمجتمع البنغلاديشي، وعلامة بارزة من معالم هويته الحضارية، وشاهدا حيا على عمق الروابط التي تجمع بين البنغال والعالم العربي والإسلامي. إن هذه المسيرة الممتدة للغة العربية في أرض البنغال ليست مجرد صفحة من صفحات التاريخ، بل هي تراث حضاري حي يحمل في طياته إشراقة الماضي، وآفاق المستقبل، ويؤكد أن العربية ستظل حاضرة في وجدان هذه الأمة ممتدة في تاريخها، ومتجددة في حاضرها، وماضية بثبات نحو مستقبل أكثر إشراقا وتواصلا.



